أحمد بن علي الرفاعي الكبير

105

حالة أهل الحقيقة مع الله تعالى

وقال بعض أهل المعرفة : كلما ظننت أني وجدت ، فحينئذ فقدت ، وكلما ظننت أني فقدت فحينئذ وجدت . إلهي ، إن تركتك طلبتني ، وإن طلبتك طردتني ، لا معك قرار ، ولا مع غيرك أنس ، فالمستغاث منك إليك . وقال أبو يعقوب رحمه اللّه تعالى : أجهل ما يكون العبد باللّه ، إذا ظنّ أنه استغنى عن الدنيا بالمعرفة . وقال يحيى بن معاذ رحمه اللّه تعالى : ذنب افتقرت به إليه ، خير من طاعة افتخرت بها عليه . وكان فضيل كثيرا ما يبكي ويردد هذه الآية : وَبَدا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ ما لَمْ يَكُونُوا يَحْتَسِبُونَ [ الزّمر : 47 ] يقول : عملوا أعمالا حسبوا أنها حسنات ، فإذا هي سيئات ! حين يبدو لهم من اللّه ما لم يكونوا يحتسبون ! . * أي بني ! المعرفة مستقر ومستودع ، مستقر في قلوب الأولياء ، ومستودع في قلوب الأعداء ، ثم يسلب في آخر الأمر ، فليس للموفق أن يعتمد على توفيقه ، ويأمن من مكره ، ولا للمخذول أن ييأس من روح ربه . وربما يرى الرجل للرجل الرؤيا الصالحة ، وهو استدراج من اللّه تعالى . كما حكي أن رجلا من أهل الشام ، أتى إلى العلاء بن زياد وقال له : إني رأيتك في المنام ، كأنك من أهل الجنة . فترك مجلسه وأخذ في البكاء ، وقال : لعل اللّه أراد أمرا ؟ . أصل الاستدراج نسيان اللّه : قيل : أصل الاستدراج نسيان الحق ، والاستغناء بمن دونه ، والتعلق بما سواه ، والالتفات منه إلى غيره . وليس على تحقيق في المعرفة من يغتر بكثرة العلم والعمل ، لأن إبليس كان معلم الملائكة ، ثم في آخر الأمر نظر إلى نفسه وعبادته . وترك أمرا من أوامر اللّه ، فصار من الملعونين المطرودين أبد الآبدين . وإياك أن تغتر بعمارة الأوقات ، وصفاء الأحوال ، فإن « برصيصا » ( رجل كفر باللّه بعد إيمانه ) » و « بلعام » كانا أعبد الناس في زمانهما وأحسنهم حالا ! وفي آخر الأمر مالا إلى النفس والهوى ، فصارا مفتضحين في الدنيا والآخرة ! .